اسماعيل بن محمد القونوي

583

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( والدار صفته والخبر نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض غلبة وقهرا ظلما على الناس كما أراد فرعون وقارون ) والدار صفته فيكون مشارا إليها هذا تصريح بما علم التزاما والصفة قد تكون جامدا إذا كان وضعه لغرض المعنى وهنا المراد أنها كاملة في الدراية والمسكنية نجعلها حكاية حال ماضية بقرينة أعدت للمتقين وله نظائر كثيرة وقصة آدم عليه السّلام قرينة على وجود الجنة أيضا فلا يقال صيغة الماضي لتحقق وقوعها كما أراد فرعون وقارون إشارة إلى ارتباطها بما قبلها وهذا أبلغ من الذين لا يعملون ولا يفسدون إعادة لا للتنبيه على أن كلا منهما مقصود بالنفي لا المجموع من حيث المجموع . قوله : ( المحمودة ) وقد مر توضيحه في تفسير قوله تعالى : وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ [ الأنعام : 135 ] . قوله : ( ما لا يرضاه اللّه ) نبه به على أن المراد بالتقوى المرتبة الوسطى لا الأولى . قوله : ظلما على الناس كما أراد فرعون وقارون قال صاحب الكشاف ولم يعلق الموعد بترك العلو والفساد ولكن بترك إرادتهما وميل القلوب إليهما كما قال وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فعلق الوعيد بالركون وعن علي رضي اللّه تعالى عنه أن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها وعن الفضيل أنه قرأها ثم قال ذهبت الأماني ههنا وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يرددها حتى قبض ثم قال ومن الطماع من يجعل العلو لفرعون والفساد لقارون متعلقا بقوله : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ [ القصص : 4 ] وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ [ القصص : 77 ] ويقول من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة ولا يتدبر قوله : وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ القصص : 83 ] كما تدبره علي والفضيل وعمر رضي اللّه عنهم إلى هنا كلامه قال صاحب الانتصاف وهو تعريض بأهل السنة في أن كل موحد من أهل الجنة وإنما طمعوا فيما أطمعهم اللّه تعالى على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال من قال لا إله إلا اللّه دخل الجنة وإن زنا وإن سرق قالها ثلاثا وفي الثالثة وأن رغم أنف أبي ذر وقال الطيبي في جوابه لا شك أن العلو في الأرض الاستكبار على اللّه تعالى والاستطالة على الناس والإفساد إخراج الشيء عن كونه منتفعا به روى محيي السنة علوا استكبارا عن الإيمان واستطالة على الناس وتهاونا بهم وفسادا بأخذ أموال الناس بغير حق والعمل بالمعاصي وأما ما رواه عن علي رضي اللّه عنه أن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها فإنه مناقض لما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل يا رسول اللّه إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا قال إن اللّه جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس يعني أن يرى الحق سفها وجهلا ويحتقر الناس فقوله : وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ القصص : 83 ] لا ينافي تفسير المنقول من أهل السنة لأن المراد من لم يكن مثل فرعون وقارون من المؤمنين والمتقي ههنا هو المتقي من علو فرعون وقارون لأن قوله : وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ القصص : 83 ] تذييل لما سبق هذا وقالوا إن التأويل الذي يعتمد عليه هو ما يساعده النظم فإن هذه الآية كالتخلص من قصة موسى وقومه مع قارون وبغيه واستطالته عليهم ثم هلاكه ونصرة أهل الحق عليه إلى قصة سيدنا صلوات اللّه عليه وسلامه وأصحابه مع قومه واستطالتهم وإخراجهم إياه من مسقط رأسه ثم اعزازه بالإعادة إلى مكة شرفها اللّه تعالى وفتحه صلّى اللّه عليه وسلّم إياها